حديث الاحد
بول بالطا لـ «الشروق»: لهذا تراجع بورقيبة عن الوحدة مع ليبيا

* تونس ـ الشروق
في لقاء مع «الشروق» على هامش المنتدى التاريخي الذي نظمته مجلة «Réalité مؤخرا كان لنا لقاء مع الكاتب الفرنسي بول بالطا الذي عمل في المنطقة المغربية مراسلا صحفيا للوموند، ووضع العديد من الكتب حول قيادات وسياسات هذه المنطقة.
بول بالطا تحدث عن الاشكاليات المعطلة للمسيرة المغاربية، ولعل أبرز ما قاله إنه لا يمكن قيام اتحاد مغاربي بدون تحالف بين المغرب والجزائر!

* حوار: راضية الزيادي

* بدأت علاقتكم بالمغرب من الجولة التي قمتهم بها في بداية سنة 1954 وخلدتموها في كتابكم «Traversée du Maghreb فكيف رأيتم المغرب العربي والمغاربيين في ذلك الوقت؟
ـ ولدت في الاسكندرية سنة 1929 وعشت بها حتى سنة 1947 قبل أن أتحول إلى فرنسا، وخلال 18 سنة لم أسمع أبدا بالحديث عن المغرب العربي أو الشعوب التي كانت تقطن هناك، ليس فقط في مصر، بل ربما في المشرق بكاملة وقد بدأت باكتشاف هذه المنطقة عندما ذهبت الى باريس للدراسة في المعهد أولا ثم في السربون حيث بدأت ألتقي بعض المغاربيين، من تونس والجزائر والمغرب الذين حدثوني عن بلدانهم... وعندما عدت إلى الاسكندرية كنت أسأل المصريين عن أهل تلك المنطقة وباستثناء بعض الاجابات فقد كان هناك انعدام معرفة تامة بهذه المنطقة وبشعوبها بل كان هذا الجهل مشوبا ببعض التعالي ولعلي ما زلت أذكر حتى الآن إنهم كانوا يقولون «هؤلاء المستعمرين ! إنهم ليسوا عربا حقيقة وربما ليسوا مسلمين حقيقة أيضا» واذكر أني كنت أقول لهم «إنهم مسلمون مالكيون كما في مصر!» وخلال 1953 - 1954 شاءت الصدفة أن أرافق رجل دين مسيحي يعود من مصر الى باريس برا، عبر المغرب فانطلقنا من الاسكندرية يوم 30 جويلية لنصل إلى باريس يوم 15 سبتمبر، وبذلك اكتشفت المغرب العربي، وقد كان لذلك أثرا على حياتي كلها وخاصة حياتي المهنية. في ذلك الوقت، كان الهدوء يسود في ليبيا، وكانت تونس متحركة جدا وكذلك المغرب، اضافة الى الجزائر، كذلك... وهكذا اكتشفت المغرب العربي، الذي عدت له بعد ذلك كمراسل لصحيفة «لوموند» من 1973 إلى 1978 .

* خلال تلك الرحلة وكذلك في بدايات تعاملك مع المغاربيين هل كنت تشعر بوجود هوية مغاربية موحدة؟
ـ لعل ما جلب انتباهي لدى شعوب هذه المنطقة هي خصوصيتهم أولا، مقارنة بشعوب المشرق العربي لكل بلد ولكل شعب خصوصياته الداخلية ولكن هذه الشعوب تشكل وحدة اذا ما قورنت بالمشرق العربي، المغاربيون، وان كانوا مثل المشارقة، مضيافين وطيبي المعشر، إلاّ أنهم أكثر وضوح، «فنعم تعني نعم»، لديهم، كما أن «لا» تعني «لا» أيضا! وشعوب المغرب العربي من ليبيا حتى موريتانيا، تشبه كثيرا صومعات مساجدهم، فهي مربعة الشكل ومستقيمة في ارتفاعها دون التواء خلافا لصومعات المساجد في المشرق.
ويمكن الحديث فعلا عن هوية مغاربية وقد أمكن لي ملامسة ذلك بوضوح خلال عملي لحساب صحيفة «لوموند»، حيث وقفت على مدى قرب الشعوب المغاربية من بعضها البعض وخاصة في المناطق الحدودية، حيث الزواج المختلط ظاهرة عادية جدا. ويمكنني ان أقول إن الشعوب لا تقف عائقا أمام استكمال بناء الاتحاد المغاربي، بل الأنظمة السياسية، لأن كل طرف يسعى الى «حماية» أرضه وشعبه. وفي فترة ما كان الرئيس الجزائري هواري بومدين مستعدا للتفاهم مع المغرب ولكن للأسف لم يحدث ذلك... وإذا أرادت الشعوب المغاربية أن تنجح اتحاد المغرب العربي فعليها أن تتصرف كما حدث في أوروبا أي عليها ان تسعى من أجل تحالف بين المغرب والجزائر، كما فعل الأوروبيون، عندما كان التحالف الألماني الفرنسي، هو أساس الاتحاد الأوروبي وحسب اعتقادي فإنه اذا لم يحصل هذا التحالف بين الجزائر والمغرب، فلن يكون هناك اتحاد مغاربي.

* من خلال تعاملكم المهني مع المنطقة المغاربية ومع قياداتها ما هي النتائج التي أمكن لكم الخروج بها بشأن الوحدة المغاربية؟
ـ أعتقد أن أهم ما يمكن لي الخروج به من هذه التجربة يتعلق بمدى قرب الشعوب المغاربية ببعضها البعض، وأعتقد أنه من الضروري، وحال كما هو عليه الآن، أن يتم تكثيف التبادل بين مختلف البلدان المغاربية، تبادل في جميع المجالات الاقتصادية والتجارية والثقافية، وذلك بهدف دعم البناء والنسيج المغاربي ازاء أوروبا وأعتقد أن دول المغرب العربي، قادرة على تحقيق وحدتها، لو توفرت الظروف، بسرعة أكبر، من الدول المشرقية، واذا ما نجحت الدول المغاربية في تحقيق هدفها فإن ذلك سيكون حافزا للدول المشرقية لاتخاذ خطوات أوسع.

* واكبتم البدايات الأولى للفكرة المغاربية وما صاحبها من أمل، فكيف ترون ما وصلت إليه هذه الفكرة، وكذلك المشروع المغاربي نفسه اليوم؟
ـ من البديهي أن مشكلة الصحراء الغربية تلقي بظلال كثيفة على المشروع المغاربي، ومشكلة الصحراء هذه جمدت أشياء عديدة في المسيرة المغاربية ما يمكن ملاحظته كذلك، أن ليبيا التي اقتربت في فترة ما من هذا المشروع، عادت لتبتعد مجددا، سواء باتجاه المشرق، أو باتجاه افريقيا وعموما، وعلى الرغم من بعض المبادرات الايجابية التي اتخذت على مستوى ليبيا الا أنها تظل غير كافية لأن دور ليبيا يظل رئيسيا في انجاح المسيرة المغاربية. وأعتقد أنه على الدول المغاربية عموما أن تتفق حول صيغة ما يتم التعامل بها مع قضية الصحراء، حتى يكون بالامكان استعادة حوار حقيقي وبنّاء بين مختلف القيادات المغاربية، وفي الانتظار أعتقد أنه من المهم التركيز على التبادل الاقتصادي والثقافي، فماذا يعني عدم وجود تبادل للصحف وللكتب وللانتاج الثقافي المغاربي عموما، بين مختلف البلدان المغاربية، وأعتقد أن على الحكومات أن تعمل من أجل تكثيف التبادل في هذا المجال، فهذه المهام هي جزء من مسؤولياتها.

* في هذه الندوة استمعنا الى أفكار حول العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر وهذا الأمر يعيدنا بالضرورة إلى ذلك القرار الذي اتخذته الجمعية الوطنية الفرنسية حول الاستعمار ومزاياه فحسب رأيكم لماذا عاد النواب الفرنسيون الى هذه القضية؟
ـ إني أعيد هذه المسألة، ببساطة، إلى الغرابة التي ارتبطت بالعلاقة الفرنسية الجزائرية فكلما بلغت هذه العلاقات مستوى جيدا، إلا وظهر ما من شأنه أن يعيدها إلى نقطة الصفر، سواء من الجانب الفرنسي أو الجزائري. في هذه القضية، وبما أن الأمور تسير بطريقة سالكة بين شيراك وبوتفليقة، أعتقد أن هناك من يهدف في فرنسا الى ازعاج شيراك، وبالضرورة فإن ذلك سيمتد على هذه العلاقة، وسيؤثر في العلاقة بين شيراك وبوتفليقة.

* ألا تعتقدون أن القضية ربما أعمق بكثير من ذلك، وانه من هذا الجانب أو ذاك، لا تزال هناك أحقاد متراكمة؟
ـ نعم، ولكن كما قال الرئيس بومدين وكثيرون غيره، فإنه ينبغي طي الصفحة وطي الصفحة لا يعني تمزيقها أو اتلافها. وقد كان بومدين وحتى وفاته يدعم فكرة طي صفحة الماضي، دون تمزيقها، وهو كان يدعم تحسين العلاقات مع فرنسا كما بوتفليقة أيضا، ولكن هناك ذكريات تظل مؤثرة كما أن هناك داخل كل بلد، قوى سياسية تعمل على استمرار التوتر.
وأعتقد أن تحسن العلاقات ضروري، حتى وان احتفظ كل طرف بذكريات معينة عن الماضي وحتى وان تمسكت بعض القوى المتطرفة داخل كل بلد، بموقفها الممانع والرافض لتحسن حقيقي في العلاقات بين البلدين. وأعتقد أن هذا التحسن حتمي، وكما قال بومدين (وقد كانت لي معه أكثر من 50 ساعة من لقاءات صحافية منفردة) فإننا لا نستطيعع أن نمحي روابط التاريخ والعلاقات بين فرنسا والجزائر يمكن أن تكون جيدة ويمكن أن تكون سيئة ولكنها لا يمكن أن تكون أبدا عادية.

* ألا تعتقدون أن المسألة تتجاوز كذلك العلاقة بين فرنسا والجزائر، وإذا ما عدنا إلى أحداث الضواحي في فرنسا، وكذلك النقاش الدائر على خلفية انتخابية حول الهجرة فإن الأمر يرتبط بملف لم يطو بعد، وهو ملف العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر القديم؟
ـ نعم، هذا صحيح، والمشكلة معقدة جدا، ولعله من المثير للانتباه انه لم يكن هناك نفس الحجم من المشاكل مع أباء الشباب الفرنسي، من أصل مغاربي في السابق. وأعتقد أن هؤلاء الشبان، يواجهون مسألة الهوية، وربما يزيد في حجم الاشكالات القائمة، وجود ظاهرة التطرف الديني وتأثيرها في هؤلاء الشبان.
وأعتقد كذلك إن هؤلاء الشبان، وهم فرنسيون، يشعرون إنهم لم يحصلوا على حقوقهم كاملة في المواطنة الفرنسية، وكذلك في الحفاظ على جذورهم، وقد كنت من الداعين في فرنسا، إلى تعليم اللغة العربية لهؤلاء الشبان، فمن الهام جدا لهؤلاء أن يحتفظوا بتلك الجذور، وأنا أعتقد أن ذلك كان سيملؤهم بالاحساس بأهمية ثقافتهم، وأعتقد أن امتلاك ثقافة مزدوجة هو عامل ثراء حضاري للفرد وللمجتمع وربما ذلك ما ينقصنا في فرنسا، وقد طرحت هذه القضية، كما اذكر، على الرئيس جورج بومبيدو، الذي طلب مني وضع مذكرة حول «لماذا ينبغي تعلم اللغة العربية» وقد قلت فيها، ان المسألة هي ثقافية بالأساس وإن على كل ا لشبان الفرنسيين، وليس فقط من أجيال الهجرة، أن يتعلموا اللغة العربية، فجيراننا في جنوب المتوسط، هم عرب، وعلينا أن نعرف لغتهم وثقافتهم. كما أن هناك جانب آخر، يبدو أن العرب أنفسهم قد نسوه، فمنذ القرن الثامن حتى القرن الثالث عشر وربما الخامس عشر، فإن الحضارة العربية الإسلامية، كانت في طليعة الحداثة في جميع الميادين تقريبا فالمستشفى الأول في التاريخ أنشئ في بغداد وليس في باريس، وأعتقد أن هذا من الأمور التي ينبغي التذكير بها دائما، فاليوم، يسود الانطباع بأن العرب، لم يقدموا شيئا للحضارة الانسانية ولم يخترعوا شيئا نعم، هناك تراجع، وقد جاء تقرير الهيئة لبرنامج الأمم المتحدة الانمائي ليؤكد ذلك، ولكن هناك أيضا قوى تصارع من أجل تنمية حقيقية ومن أجل النهوض. وأنا أتابع باهتمام ما تقوم به المرأة العربية، وهي ظاهرة لا يكتب عنها كثيرا في الدول الغربية، ظاهرة تتحدث عن نفسها بالأرقام، في العديد من الدول العربية، يصل عدد الفتيات في الجامعات إلى أكثر من 55 بالمائة، في تونس وفي الجزائر وليبيا، وفي مصر... ونتائجهن أفضل بكثير من نتائج الذكور.

* ألا تعتقدون أن هذه العلاقة ضرورية بين الدول المغاربية وفرنسا في حاجة إلي جهد خاص لايجاد رؤية وأسس جديدة لها؟
ـ نعم، وأنا من المدافعين بقوة عن الشراكة الأورومتوسطية، التي توجد حاليا في وضع المجمد تقريبا، وأعتقد أنه كانت أمامنا فرصة هامة، عبر تلك الشراكة، لبدء ذلك الحوار واثرائه بصفة حقيقية وفي 1995 كان يفترض أن تستقبل احدى الدول العربية، منتدى منظمات المجتمع المدني ولكن سوريا رفضت وقالت انه لا يمكن أن يجلس العرب إلى جانب الإسرائيليين، والفلسطينيون لم يحصلوا على حقوقهم بعد، ومنذ ذلك الوقت لم يحدث أي تقدم، فصحيح أن المسار لم يقدم شيئا للفلسطينيين ولكن كان ينبغي الاستمرار في الحوار.
وصحيح أن قضية الحوار بين الطرفين تتجاوز الحوار بين المجتمعات المدنية، الى ضرورة انخراط أكبر من قبل السياسيين من الجانبين ومن ناحيتي فأنا رئيس جمعية، أنشأت سنة 2000 ، وأطلقنا عليها اسم «المنتدى المتوسطي للثقافات» وأحد أهدافنا هي دعم فكرة الحوار والتبادل الثقافي والتنقل بين المثقفين والفنانين بين ضفتي المتوسط، وهذه الجمعية، هي واحدة من جمعيات عديدة ينبغي أن تعمل في هذا المجال.

* في حديثكم، قلتم إنه كان لكم لقاءات مطولة مع الزعماء المغاربيين، بورقيبة وبومدين والملك الحسن الثاني ، فما هي انطباعاتهم عن هؤلاء الزعماء وكيف كانت العلاقة بين بعضهم البعض؟
ـ نعم، كانت لى لقاءات مطولة مع كل القيادات في الفترة التي عملت بها مراسلا لـ»لوموند» في المنطقة ويمكنني أن أقول إن نقطة قوة بورقيبة (رغم أنه قدم كثيرا أيضا على مستوى الديمقراطية)... إنه كان يؤمن بتونس بعمق، كما يؤمن بدور المرأة التونسية وبدور الثقافة عموما، وقد كان مثقفا كبيرا، ولا غرابة في أن نرى اليوم التونسيين على هذا المستوى، في طليعة الشعوب المغاربية، بومدين كانت له رؤية معينة حول المستقبل، وحول دور الجزائر وقد التقيته لحوالي 50 ساعة طيلة فترة عملي كان اهتمامه ينصب خلال تلك اللقاءات على الجزائر وما يمكن أن تقوم به على الساحة الدولية. أما الملك الراحل حسن الثاني فقد كانت له رؤى مستقبلية جدا على مستوى السياسات الخارجية مع الجزائر وقد شعرت خلال كل اللقاءات معه، مدى حرصه على ايجاد أرضية للتفاهم مع بومدين حتى وان توترت العلاقات بينهما بعد ذلك. لقد كانت تلك الرغبة واضحة جدا في لقاءاتي معه !

* بحكم مهنتكم، هل كان أمامكم في ذلك الوقت فرصة للوقوف على المشاعر الحقيقية بين القيادات المغاربية في ذلك الوقت بما قد يلقي الضوء على الصعوبات التي عرفتها العلاقات المغاربية سواء بين الجزائر وتونس أو بين الجزائر والمغرب؟ أو بين تونس وليبيا وقد كانت لكم ساعات طويلة من اللقاءات الصحافية مع هؤلاء الزعماء؟
ـ بطبيعة الحال لم يكن وضعي كصحفي حتى وان كنت قريبا جدا من هذه القيادات أن أعرف دقائق العلاقة بين بعضهم البعض، ولكني أذكر أن بومدين كان يحدثني كثيرا عن بورقيبة، وكان معجبا به، بحكم فارق السن بينهما... وعندما طرقت مسألة الوحدة بين تونس والجزائر اذكر أن بورقيبة قال لى : «اننا بلد صغير جدا مقارنة بالجزائر التي سنتوحد معها، واذا حدث ذلك، فإن على بومدين أن يعيد لي جهة قسنطينة وقد نقلت ذلك الى بومدين فقال لي ضاحكا : «نعم يا بالطا، لقد تحدثت معه حول الموضوع ولن أعطيك قسنطينة لتعطيها إلى بورقيبة... نحن نتحدث عن علاقة أوسع وأشمل تغيب فيها القطرية... لقد كان يحبه جدا وكان ذلك واضحا....
أما بين القذافي وبورقيبة فإني قد علمت خلال فترة الوحدة بين البلدين أيضا وقد أسرّ لي بورقيبة بأنه تراجع عن قرار الوحدة بعد أن زارته مجموعة من النساء التونسيات في قصر الرئاسة وطلبن منه عدم اتمام الوحدة لأنهن
http://mejliss.com/customstyles/mejl...c/progress.gif

أن زارته مجموعة من النساء التونسيات في قصر الرئاسة وطلبن منه عدم اتمام الوحدة لأنهن كن يخشين التراجع في مجلة

الأحوال الشخصية وقد قال لى إن ذلك كان حاسما في موقفه من الوحد [URL="http://mejliss.com/editpost.php?do=editpost&p=3469341"][/URL]